الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

406

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

[ المرسلات : 38 ] . واسم الإشارة الذي هو إشارة إلى القريب مستعمل في مشار إليه بعيد باعتبار قرب الحديث عنه على ضرب من المجاز أو التسامح . واسم الإشارة مبتدأ و يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ خبر عنه . وجملة لا يَنْطِقُونَ مضاف إليها يَوْمُ ، أي هو يوم يعرّف بمدلول هذه الجملة ، وعدم تنوين يَوْمُ لأجل إضافته إلى الجملة كما يضاف ( حين ) والأفصح في هذه الأزمان ونحوه إذا أضيف إلى جملة مفتتحة ب لا النافية أن يكون معربا ، وهو لغة مضر العليا ، وأما مضر السفلى فهم يبنونه على الفتح دائما . وعطف وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ على جملة لا يَنْطِقُونَ ، أي لا يؤذن إذنا يتفرع عليه اعتذارهم ، أي لا يؤذن لهم في الاعتذار . فالاعتذار هو المقصود بالنفي ، وجعل نفي الإذن لهم توطئة لنفي اعتذارهم ، ولذلك جاء فَيَعْتَذِرُونَ مرفوعا ولم يجيء منصوبا على جواب النفي إذ ليس المقصود نفي الإذن وترتّب نفي اعتذارهم على نفي الإذن لهم إذ لا محصول لذلك ، فلذلك لم يكن نصب فَيَعْتَذِرُونَ مساويا للرفع بل ولا جائزا بخلاف نحو لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا [ فاطر : 36 ] فإن نفي القضاء عليهم وهم في العذاب مقصود لذاته لأنه استمرار في عذابهم ثم أجيب بأنه لو قضي عليهم لماتوا ، أي فقدوا الإحساس ، فمعنى الجوابية هنالك مما يقصد . ولذا فلا حاجة هنا إلى ما ادعاه أبو البقاء أن فَيَعْتَذِرُونَ استئناف تقديره : فهم يعتذرون ، ولا إلى ما قاله ابن عطية تبعا للطبري : إنه ينصب لأجل تشابه رؤوس الآيات ، وبعد فإن مناط النصب في جواب النفي قصد المتكلم جعل الفعل جوابا للنفي لا مجرد وجود فعل مضارع بعد فعل منفي . واعلم أنه لا تعارض بين هذه الآية وبين الآيات التي جاء فيها ما يقضي أنهم يعتذرون نحو قوله تعالى : قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ [ غافر : 11 ] لأن وقت انتفاء نطقهم يوم الفصل . وأما نطقهم المحكي في قوله : رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ فذلك صراخهم في جهنم بعد انقضاء يوم الفصل ، وبنحو هذا أجاب ابن عباس نافع بن الأزرق حين قال نافع : إنّي أجد في القرآن أشياء تختلف عليّ قال اللّه : وَلا يَتَساءَلُونَ [ المؤمنون : 101 ] ، وقال : وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ [ الصافات : 27 ] فقال ابن عباس : لا يتساءلون في النفخة الأولى حين نفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض فلا يتساءلون حينئذ ، ثم في النفخة الثانية أقبل بعضهم على بعض يتساءلون . والذي يجمع الجواب عن تلك الآيات